محمد بن جرير الطبري

89

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قلت : يا أبا سعيد قال الله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قال : نعم ، ولو خمسين آية . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن عثمان الهمداني ، عن السدي ، في قوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قال : مئة آية . حدثنا أبو كريب قال : ثنا وكيع ، عن ربيع ، عن الحسن ، قال : من قرأ مئة آية في ليلة لم يحاجه القرآن . حدثنا أبو كريب قال ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن كعب ، قال : من قرأ في ليلة مئة آية كتب من العابدين . وقوله : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : علم ربكم أيها المؤمنون أن سيكون منكم أهل مرض قد أضعفه المرض عن قيام الليل وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ في سفر يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ في تجارة قد سافروا لطلب المعاش فأعجزهم ، فأضعفهم أيضا عن قيام الليل . وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يقول : وآخرون أيضا منكم يجاهدون العدو فيقاتلونهم في نصرة دين الله ، فرحمكم الله فخفف عنكم ، ووضع عنكم فرض قيام الليل فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ يقول فاقروا الآن إذ خفف ذلك عنكم من الليل في صلاتكم ما تيسر من القرآن . والهاء قي قوله " منه " من ذكر القرآن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ثم أنبأ بخصال المؤمنين ، فقال : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، الصلاة فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ قال : افترض الله القيام في أول هذه السورة ، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم ، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء ، ثم أنزل التخفيف في آخرها فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة . وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يقول : وأقيموا المفروضة وهي الصلوات الخمس في اليوم والليل . وَآتُوا الزَّكاةَ يقول : وأعطوا الزكاة المفروضة في أموالكم أهلها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فهما فريضتان واجبتان ، لا رخصة لأحد فيهما ، فأدوهما إلى الله تعالى ذكره . وقوله : وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يقول : وأنفقوا في سبيل الله من أموالكم . وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قال : القرض : النوافل سوى الزكاة . وقوله وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً يقول : وما تقدموا أيها المؤمنون لأنفسكم في دار الدنيا من صدقة أو نفقة تنفقونها في سبيل الله ، أو غير ذلك من نفقة في وجوه الخير ، أو عمل بطاعة الله من صلاة أو صيام أو حج ، أو غير ذلك من أعمال الخير في طلب ما عند الله ، تجدوه عند الله يوم القيامة في معادكم ، هو خيرا لكم مما قدمتم في الدنيا ، وأعظم منه ثوابا : أي ثوابه أعظم من ذلك الذي قدمتموه لو لم تكونوا قدمتموه . وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ يقول تعالى ذكره : وسلوا الله غفران ذنوبكم يصفح لكم عنها . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول : إن الله ذو مغفرة لذنوب من تاب من عباده من ذنوبه ، وذو رحمة أن يعاقبهم عليها من بعد توبتهم منها . آخر تفسير سورة المزمل .